الأربعاء، 9 أغسطس، 2017

العبودية .. من الإكراه وحتى الإختيار

تنص المادة الأولى في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على :


يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلاً وضميراً وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء " .
 كما تنص المادة الرابعة على :
لايجوز استرقاق أو استعباد أي شخص، ويحظر الاسترقاق وتجارة الرقيق بكافة أوضاعهما " 

مقدمة :
في الثاني من ديسمر عام 2007 أحيت الأمم المتحدة الذكرى المئتين للقضاء على تجارة الرق عبر الأطلسي ، ويعتبر الثاني من ديسمر يوم إلغاء الرق في العالم ، تنص مسودة الاتفاقية في المادة الثانية " يتعهد الأطراف السامون المتعاقدون، كل منهم في ما يخص الأقاليم الموضوعة تحت سيادته أو ولايته أو حمايته أو سلطانه أو وصايته بمنع الاتجار بالرقيق والمعاقبة عليه " .

بدأت تجارة الرق في عصور ما قبل التاريخ ابتداءاً بالعصور الحجرية أو الأزتيك مروراً بالرومانية واليونانية وعصور الإسلام وإمباطوريات الشرق الصينية والهندية وإمبراطوريات الوسط الأوروبي الإسباني ، وحتى تاريخ توقيع اتفاقية جنيف المذكورة .

رغم الاتفاقية تشمل كل البلدان التي وقعت الاتفاقية وهي عضو في الأمم المتحدة ، وفي إحصائية دولية ، قدرت الأمم المتحدة عدد الذين لا يزالون في عداد الرقيق ب 21 مليون ما بين رجال وأطفال ونساء حول العالم ينتشرون في دول فقيرة ومتخلفة .


كان للرقيق أو العبيد قوانين للبيع والشراء في كل زمن ، وكانت تحكمهم ظروف خاصة بهم حتى في عصور الإسلام .

لقطة :

إسباني يدخل بسرية عسكرية لسواحل غرب إفريقيا ويأخذ منها ما يشاء من رجال وأطفال ونساء لبيعهم في أوروبا بحسب الأعمار والأجناس .

لا يأل أي إنسان جهداً في مقاومة استرقاقه بعد ان كان حراً ، تصور الأحداث والصور أبشع المجازر الدموية وقت دخول قرى الآمنين لأخذ العبيد منها ، يعتبر هذا بديهياً فحتى الحيوانات أليفها ومفترسها ، تأنف الأقفاص والسجون ، وتشتهي حرية العيش ، إلا تلك التي تولد في الأقفاص ، فلا تعرف من الحرية إلا اسمها .

بطبيعة الحال إذاً أتفهم جداً محاولة السواحلي خوض معركته الخاسرة مع الإسباني المدجج بالسلاح للاحتفاظ بحريته التي يملكها مبدئياً .
أتفهم رغبته في الخلاص من الرق ، وحالته النفسية الصعبة وهو مأمور خادم لدى من يملكه وتوقه الشديد للتحرر والخلاص . 

هنا أستذكر قصة المملوكي قطز من خلال الفيلم الكرتوني الشهير " عين جالوت " الذي شاهدته أيام طفولتي ، تحكي القصة أنه بعد أن كان عبداً لأحد التجار الدمشقيين يدعى موسى بن غانم ، وانتهى بعدها ليد عز الدين أيبك الأمير الأيوبي ، فتدرج في المناصب حتى صار قائد الجيش .
عرف قطز بالصلاح والذكاء والقوة والشجاعة ، تحكي القصة كما الفيلم ،
 وكما يروي قطز لشيخه المعروف ، عز الدين بن عبد السلام ، ذات يوم : أنه رأى الرسول - صلى الله عليه وسلم- ، يبشره بملك مصر بعد هذا الرقيق ، ويهزم بعدها التتر والمغول في أضخم موقعة في عين جالوت . فكان ما حصل ، تولى ملك مصر وتزوج ابنة عمه جلنار .. قاتل التتر وهزم هولكاو الزعيم المغولي في معركة لن ينساها التاريخ .

 لقب بالمظفر بعد توليه ملك مصر ، وكان مثالاً رائعاً في الحكم والقيادة .  رحم الله قطز رحمة واسعة .

لا أحب الاستطراد إلا قليلاً .. تحملوني .. :)

قصص الرق في الغرب والإسلام كثيرة ، كتبت فيها الروايات والمسرحيات وكبرى الأعمال الدرامية والفنية على مر العصور .


هكذا كانت العبودية ، حتى تغيرت ..
تشكلت في أزماننا الحديثة ألف نوع ونوع من انواع العبودية الظاهرة ، الفارق بين اليوم والأمس أن العبد مختار وليس مكره ، الفرق الثاني أن العبد يعيش خارج بيت سيده ووليه .
ولكن العبيد أنواع ، أتفهم هنا أيضاً النوع الذي يطمح كل يوم أن يخرج من ظل عبوديته ، وكمثال لذلك الوظيفة الرتيبة المملة في إحدى الشركات البائسة ، ليبدأ بعدها بأحد المشاريع الخاصة ولو كان صغيرا لا يذكر ، ولكنه سبيل الانعتاق من رق الوظيفة كما يذكر .

لكن ، لا أستطيع أبداً أن أتفهم ذلك الذي يختار بفطرته أن يبيع كل ما يملك من قيم ومبادئ وعلى رأسها حريته ، فيصبح عبداً بإمرة سيده ، يخدمه في كل حين ، يطيع أمره ، ولا يفكر يوماً أن يكون غير ذلك .. تراه يتودد منه كل تودد ، يجعل حياته كلها بين يدي مالكه ، ابتغاء مال أو جاه ومنصب ، هو لا يكف عن البقاء في ظله ، قد يفني عمره وحياته في سبيل راحة سيده ومولاه ، لا أعلم ماهي التركيبة العجيبة لذلك الإنسان .. كيف ينتهي الأمر به لذلك الإختيار القبيح .

لا أدري كيف يقنع ذلك الإنسان نفسه بأن لا قيمة له في هذه الحياة سوى بوجوده تحت إمرة سيده ، أحاول جاهداً أن أتفهم سيكولوجية هذا المخلوق دون أي جدوى .

بعيداً عن عبيد السلطة وأتباع الحاكم المستبد بسلطته ، الذين قادهم الطاغية لتلك العبودية ، إغراءا وتزيينا لهم فأوقعهم بها بقوة تبدو ناعمة ، فكأنه محبوس حبس قوة أو قهر ، ابتغاء منفعة ، أو دفع مضرة ومذمة ذلك الطاغية .
لكني أتحدث هنا عن العبيد الذين وضعوا أنفسهم في دائرة الواقع الذي خلقوا في محيطه ، هم عبيد تلك الدائرة ، يخشون زوالها ، ولو كانت مقيتة بغيضة دنيئة ، حسبهم أنهم يجدون متعة أو لذة فيها ، قد تكون مادية أو معنوية تصنع بفعلهم هم أو بفعل غيرهم لهم . 

 هم لا يتوانون عن عبادة تلك الدائرة وكل من يقوم عليها . هم عبيد الشعارات و الجماعات ، عبيد كل جامد لا يتغير .ما أقبح تلك التبعية التي تصبح عبادة محضة لا يفكر ذلك العبد إلا كيف يحصل على منحة من سيده ، هو لم يصل لدرجة التابع ، هو عبد الشعار فقط ، ليته يعلم أن لا قيمة له عند سيده الذي ارتضاه هو لنفسه دون اجبار من أحد ، اختار أن يكون عبداً وصرح بذلك .لا أدري كيف نسي أم تناسى قدرة عقله على التفكير ولو قليلاً فيما يتبع أو بالأصح من يعبد ، ولأي هدف ؟؟هو عبد فكرة العبودية فقط ، تتشكل المعبودات اليوم ألف تشكيل .ثورات البلاد العربية أظهرت لنا كيف يكون الإنسان عبداً خالصاً لكل ما هو قبح خالص ، لا أحتمل رؤية تلك المشاهد التي تسوق الملايين نحو صورة ، أو شعار مزيف يظهر أنه مزيف ، لكن العبد إن اختار العبودية ، لا يعتقه من ذلك ، إلا حلم رب العالمين ، وقدرته في ذلك ، لا تحاول أبداً أن تقنعه ، سيجتهد بإقناعك بصواب غبائه ولن يتعب .. أنصحك حقاً بالابتعاد عن تلك النوعيات .هنا أجدد النصيحة لكل الأحرار في العالم ، قبل أن تبني بلداً حراً ، عليك أن تعتق كل الرقيق والعبيد فيه .أو على الأقل أن تقنع العبيد يوم التحرير أنهم أحرار ، مع أني أرى شخصياً أنها أصعب من تحرير البلد من الاستبداد نفسه ، لكن تبقى المحاولة فيها أفضل من لا شيء . 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

 
;